المحور الثاني: العقلانية العلمية

المحور الثاني: العقلانية العلمية


مدخل: من العقلانية الكلاسيكية إلى العقلانية العلمية


تنازعت موضوعَ المعرفة في تاريخ الفلسفة برمته نزعتان: نزعة عقلانية تعتبر أن العقل هو مصدر المعرفة، و نزعة تجريبية ترى ـ عكس ذلك ـ أن مصدر المعرفة الإنسانية هو التجربة. و على الرغم من أن النزعة العقلانية نفسها تتوزع إلى اتجاهات فلسفية عديدة (العقلانية الموضوعية، العقلانية المطلقة، العقلانية الذاتية، العقلانية المثالية...إلخ)، فإن كل هذه النزعات تتحد من جهة في إعطاء الأولوية للعقل و أحكامه، و في اعتباره عقلا كونياً واحداً من جهة أخرى. غير أن تطور العلوم، سواء منها العلوم الدقيقة، أو العلوم الإنسانية، أو العلوم المعرفية، سيفتح المجال أمام مقاربة جديدة للعقل و دوره، و سيقود إلى تأسيس عقلانية جديدة، معاصرة، تقدم نفسها كبديل ل"العقلانية الكلاسيكية"، تُراجع أسسها و منطلقاتها، و تركز بالتحديد على دور العقل و ميكانيزمات اشتغاله في إنتاج المعرفة العلمية، و هي ما نسميه بالعقلانية العلمية. و سنتعرف في هذا الصدد على أطروحتين:

أطروحة غاستون باشلار: العقلانية التطبيقية

غاستون باشلار
غاستون باشلار
تتأسس رؤية غاستون باشلار على الاعتراف لكل من العقل و التجربة في نشأة و تطور العلم المعاصر. و هو يستلهم في رؤيته لتطور العلم قانون الحالات الثلاث عند أوغست كونت، حيث يقسم تاريخ العلم إلى ثلاث مراحل: المرحلة ما قبل العلمية، و المرحلة العلمية، ثم أخيرا مرحلة الروح العلمية الجديدة.

فالمرحلة الأولى، التي تمتد حسب باشلار من العصر القديم إلى القرن الثامن عشر، كانت مطبوعة بعدم الفصل بين التجربة بالمعنى العامي و التجربة العلمية. و كان شعارها: "نفكر وفق ما نراه" (On pense comme on voit).

أما المرحلة الثانية، و التي تمتد من القرن الثامن عشر إلى بداية القرن العشرين، فقد انفصلت فيها المعرفة العلمية عن المعرفة العامية، و بدأت المعرفة العلمية تنزع أكثر نحو التجريد و أصبحت ترى في واقعية المعرفة العلمية عائقا أمام تطور العلم و أمام مجهود العقلنة. غير أن هذه المرحلة ظلت مع ذلك ـ في نظر باشلارـ رهينة ما يسميه "الإبستيمولوجيا الديكارتية"، أي أن العلم في هذه المرحلة ظل يرتهن إلى فلسفة الحدس، أي إلى المُباشر، و إلى روح علمية وثوقية، أي تثق في الحقائق الأولية و المفاهيم الأساسية.

و خلافا لذلك، فالمرحلة الثالثة، التي هي "مرحلة الروح العلمية الجديدة"، قد بدأت في نظر باشلار سنة 1905 مع نظرية النسبية عند ألبرت أينشتاين. و في هذه المرحلة سيدخل العقل العلمي طوراً جديدا، و ستصبح المعرفة العلمية نتاجا للحوار الجدلي بين العقل من جهة و التجربة من جهة أخرى. فلا النزعة العقلانية الكلاسيكية المنغلقة، و لا النزعة الاختبارية السطحية و الساذجة، بإمكانهما تحقيق معرفة علمية أو الإسهام في التقدم العلمي. ذلك أن الواقع العلمي عند باشلار ليس واقعا حسيا معطى بشكل مسبق، و إنما هو واقع يقوم العقل ببنائه بطريقة رياضية، و ليس واقعا مستقرا و ثابتا و إنما هو واقع متغير و متحول. و بالتالي فالتجربة بالمعنى الاختباري الضيق لا مكان لها في المعرفة العلمية المعاصرة التي تُبنى بناء عقليا و رياضيا و يتكامل فيها العقل مع التجربة العلمية.

أطروحة هانز رايشنباخ: المعرفة العلمية معقولة و ليست عقلانية

هانز رايشنباخ
هانز رايشنباخ
على عكس تصور غاستون باشلار، يعتبر هانز رايشنباخ أن المصدر الوحيد للمعرفة العلمية هو التجربة. فالعقل بمفرده قاصر و عاجز في نظره عن إنتاج أي معرفة بالواقع الفيزيائي. و هو لا ينفذ إلى هذا الواقع إلا عبر التجربة و بواسطتها. و بهذا المعنى فالمعرفة العلمية هي، في المقام الأول، معرفة تجريبية. و حتى إن حدث أن تدخل فيها العقل، و كان له دورٌ في توجيه التجربة و استخلاص القوانين العلمية منها، فهذا لا يعني بتاتاً أن المعرفة العلمية معرفة عقلانية و إنما هو يعني فقط أنها معرفة معقولة. فأن تكون المعرفة العلمية عقلانية معناه أنها تصدر أولاً و أخيرا عن العقل. و هذا يعيدنا في نظر رايشنباخ إلى التصور العقلاني الكلاسيكي الذي يجعل العقل بمثابة مصدر وحيد و أوحد للمعرفة. أما المعرفة العلمية فهي تطبق العقل و أحكامه على التجريب الذي يقوم على الملاحظة العلمية. و بذلك فهي معرفة معقولة (Raisonnable) و ليست معرفة عقلانية (Rationnelle). بمعنى آخر فإنها معرفة خاضعة للعقل لكن مصدرها الأول و الأخير هو التجربة و ليس العقل.

7 تعليقات:

دروس الفلسفة سلك الباكالوريا يقول...

شكرا أخي على الدرس الجيد واصل

غير معرف يقول...

Merci a vous

Ilyas ARIBA يقول...

العفو اخي

Ilyas ARIBA يقول...

العفو اخي

غير معرف يقول...

شكراا

youssef moussaoui يقول...

العفو اخي الجندي

afaf moussaoui يقول...

شكرا اخي

إرسال تعليق

 
Design by معرض قوالب معهد خبراء بلوجر | Bloggerized by معرض قوالب معهد خبراء بلوجر | معرض قوالب معهد خبراء بلوجر