النظرية و التجربة - تقديم

النظرية و التجربة

تقديم:


كلمة "النظرية" ترجمة لكلمة Théorie الفرنسية التي يعود أصلها إلى الكلمة اليونانيةTheorein. و هي تعني "النظر" أو "التأمل" أو "الفحص". و بهذا المعنى فهي تحيل على إعمال العقل. و حين تُوضع "النظرية" في مقابل "التجربة" فمعنى ذلك أننا أمام تقابل بين العقلي من جهة و الحسي من جهة أخرى، أي بين المعطيات التي تصل إلينا بواسطة الحواس و أحكام العقل، أو لنقل ـ توخيا لمزيد من الدقة ـ إننا بصدد تعارض قائم بين بعدين في المعرفة الإنسانية هما المعرفة بواسطة العقلي  (L'intelligible)و المعرفة بواسطة الحسي (Le sensible). فقد درج الإنسان في المراحل السابقة من التاريخ على ترجيح كفة الفهم العقلي (L'entendement) على حساب الحس. و هو ما عبر عنه نيكولا مالبرانش بقوله: "هذه الأحكام الطبيعية، رغم فائدتها، تدفعنا في الغالب إلى الخطأ بجعلنا نكون أحكاماً حرة تتفق معها دائما. ذلك أننا حينما نحكم وفق ما نحس به نخطئ دائما في شيء ما". غير أن العلوم المعاصرة، و كذا التفكير الفلسفي المرتبط بها (الإبستيمولوجيا)، أصبحت تميل إلى التوفيق بين الإثنين. و بالتالي فالواو الموجودة بين النظرية و التجربة لم تعد تشير في الوقت الراهن إلى التكامل بين الإثنتين أكثر مما تحيل على التعارض بينهما. فالحس، من حيث هو تلق سلبي لرسائل العالم الخارجي، يكشف اتصالنا المستمر بالعالم، بينما الفهم هو مَلَكة تكوين و إنشاء المفاهيم المجردة، و استيعاب و تأمل الأفكار. و بالتالي فهو مَلَكَة فعالة ـ عكس الحس ـ لكنها تتكامل معه. غير أنه، و بالرغم من الإقرار بوجود هذا التكامل بين المَلَكتين، يظل السؤال قائما حول مصدر المعرفة الإنسانية: هل هو الحس أم الفهم؟ و هو السؤال الذي يقودنا رأساً إلى الإشكالات التي سنعالجها في هذا الدرس.


■ البناء الإشكالي :


1 ـ  ما هو مصدر المعرفة العلمية؟ هل هو التجربة بالمعنى العامي أم التجريب؟ و ما الفرق بين التجربة و التجريب؟

2 ـ كيف تتبلور المعرفة العلمية؟ هل عن طريق مراكمة المعطيات الحسية و نتائج التجريب؟ أم أن التجريب نفسه لا قيمة له إلا إذا أطرته و واكبته أسئلة نظرية؟

3 ـ كيف نحكم بصحة أو خطأ نظرية علمية معينة؟ هل بالاعتماد على تماسكها النظري الصوري؟ أم بالاعتماد على مدى قدرتها أو عجزها عن تفسير الواقع؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

منهجية كتابة نص فلسفي

درس مفهوم الغير - الثانية باكالوريا

وظائف الإيديولوجيا (بول ريكور)