تقديم مفهوم التاريخ

تقديم مفهوم التاريخ


إذا كان للإنسان بعدٌ ذاتي يتمثل في وعيه بذاته، و كان ممكنا بالنسبة له أيضا أن يُدرك الوعي المقابل، الذي يمثله الغير، فإن له كذلك وعياً بالزمن. فالإنسان وحده يُدرك الديمومة، أي أنه وحده يعي مرور الزمن. غير أن الوعي بالزمن لا يعني بالضرورة تحقيق المعرفة به.

ما هو الزمن؟

يقول القديس أوغسطين جواباً عن هذا السؤال: "إذا لم يسألني أحدٌ عن ذلك فإنني أعرفه. لكن، إذا ما سألني عنه أحدٌ و أردتُ الجواب فإنني أصبح جاهلاً به".

هذه المفارقة في علاقة الإنسان بالزمن تطرحُ من جهة أولى سؤال المعرفة. إننا ـ حسب عبارة أوغسطين ـ نعرف الزمن ونجهله في ذات الوقت، نعرفه ما لم نُسْأل عنه، و نغدو جاهلين به حينما يُطرح علينا السؤال. فثمة معرفةٌ تصير جهلاً حين يحضر السؤال، و ثمة جهلٌ يتحول إلى معرفة حين يغيب. لكن الزمن يحضر في الحالتين. و سواء عرفناه أو جهلناه فنحن نعي أبعاده الثلاثة: الماضي، و الحاضر، و المستقبل.غير أن الماضي هو ذاك الذي لم يعُد موجودا، و المستقبل هو ذاك الذي لم يُوجَد بعد، و بينهما لا يفعل الحاضر شيئا سوى أنه يمر، أي أنه يتحول في كل لحظة إلى ماض، و ما يكاد يوجد حتى ينعدم. فهو ليس إلا حدا فاصلا، و عابراً، بين الماضي و المستقبل.

الماضي إذن لم يعد موجودا، و المستقبل لم يوجد بعد، و الحاضر لا يوشك أن يوجد حتى ينعدم. بهذا المعنى يصير الزمن، من الناحية الموضوعية، عدماً ثلاثي الأبعاد. فهو ليس موجودا إلا في علاقته بالإنسان: الماضي يوجد من خلال الذاكرة، و المستقبل يوجد من خلال الانتظارات و التطلعات، و الحاضر يوجد من خلال الانتباه. و عبر هذا الانتباه فقط تتحقق الأبعاد الثلاثة للزمن و يتحول الإنسان، دون باقي الكائنات، إلى كائن تاريخي. 

بمعنى آخر فإن التاريخ لا وجود له خارج الإنسان كما أن الإنسان لا وجود له خارج التاريخ. لكننا، قياساً على قولة أوغسطين، نعرف التاريخ و نجهله في الآن نفسه. فكيف لنا يا ترى أن نجهل ما نعرفه و أن نعرف ما نجهله؟ إلى أين يمضي بنا هذا المعروف/المجهول؟ هل نحن الذين نوجهه وفق إرادتنا و غاياتنا و دوافعنا؟ أم أنه، عكس ذلك تماما، هو الذي يوجهنا تبعاً لغاياته؟

تنشأ عن هذا التساؤل جملة من الإشكالات التي يمكن أن نصوغها كالتالي:

1 ـ هل يمكن أن نحقق معرفة بالتاريخ؟ إذا كان ذلك ممكنا فهل معناه أن هناك قوانين تحكم سيرورة و صيرورة التاريخ هي التي علينا أن نستخرجها لكي تتحقق لنا المعرفة به؟ و إذا كانت المعرفة بالتاريخ مستحيلة، فهل معنى ذلك أنه ليس إلا تراكماً عشوائيا للمصادفات؟

2 ـ إذا كانت للتاريخ قوانين تحكم حركته فهل هذه الحركة عبارة عن تقدم خطي، متواصل، و مستمر؟ أم أنها، خلافاً لذلك، حركة معقدة، و متداخلة، و متشابكة؟ هل التقدم ضرورة تاريخية؟ أم أن التاريخ يعرف فترات تقدم مثلما يعرف فترات تراجع و انحطاط؟

3 ـ ما هو دور الإنسان في التاريخ؟ هل التاريخ هو الذي يصنع الإنسان أم أن الإنسان هو الذي يصنع التاريخ؟ و إذا كان كل فرد يسعى إلى تحقيق مطامحه و غاياته الشخصية فمن الذي يُحقق أهداف التاريخ الإنساني؟ هل الأفراد بهذا المعنى محكومون بإشراطات تاريخية مستقلة عن إراداتهم الخاصة؟ أم أن التاريخ، على العكس، هو المحكوم بإرادات الأفراد؟

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
Design by معرض قوالب معهد خبراء بلوجر | Bloggerized by معرض قوالب معهد خبراء بلوجر | معرض قوالب معهد خبراء بلوجر