إيمانويل كانط الشخص كقيمة أخلاقية

إيمانويل كانط: الشخص كقيمة أخلاقية


كما رأينا، فقد كان للفلسفة الحديثة مع ديكارت فضلُ إبراز مفهوم "الشخص" من خلال ممارسة التفكير بضمير المفرد (أنا أفكر إذن أنا موجود)، و اعتبار هذا التفكير بالمفرد دليلا كافيا و أساسا لوجود الشخص. غير أن ديكارت ظل ـ مع ذلك ـ يعتبر الشخص شيئا كباقي الأشياء. و هو يقول في "التأملات الميتافيزيقية": "و لكن أي شيء أنا؟ أنا شيء مفكر". و بذلك سقطت الفلسفة الديكارتية في تشييء (Chosification) الإنسان. فهو، حتى و إن كان متميزا بالتفكير و الوعي، يظل مجردشيء قابل للاستعمال مثل سائر الأشياء، و تفكيره و وعيه بذاته لا يمنحانه أية قيمة خاصة حُيال باقي موجودات العالم.


هذه النظرة التشييئية للشخص هي ما سيثور عليه الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط لاحقاً (بعد حوالي تسعين سنة من ديكارت). و ستعطي تلك الثورة الكانطية انطلاقة عصر جديد في التاريخ البشري سمي ب"عصر الأنوار" أو "عصر التنوير". و معنى التنوير عند كانط أن يخرج الإنسان من حالة القصور و الكسل و الجبن ليستعمل فهمه الخاص دون قيادة من الغير، و دون أن تمارس عليه أية وصاية أو أن يتم تسخيره لخدمة إرادة أخرى غير إرادته الخاصة و الحرة. فالشخص بهذا المعنى قيمة أخلاقية في حد ذاته.

يقول كانط في كتابه "نقد أسس ميتافيزيقا الأخلاق": "إن الإنسان، و عموما كل كائن عاقل، يوجد كغاية في ذاته لا فقط كوسيلة يمكن لهذه الإرادة أو تلك أن تستعملها كما تريد. ففي كل أفعاله، سواء تلك التي تعنيه هو نفسه أو تلك التي تعني كائنات عاقلة أخرى، يتعين اعتباره كغاية في نفس الوقت".

فالشخص عند كانط لا تكمن قيمتُه فقط في ممارسة التفكير كما هو الشأن عند ديكارت، و إنما هو يكتسب قيمته من وعيه ببُعده الأخلاقي، أي من كونه قيمة أخلاقية في حد ذاته. و قيمتُه الأخلاقية تبدأ، بالضبط، من رفضه لوصاية الغير عليه و امتلاكه الجرأة على استخدام فهمه الخاص. و هو ما عبر عنه كانط من خلال شعار "لتكن لك الجرأة على استخدام ذكائك الخاص" (ما يعبر عنه باللاتينية ب Sapere Aude). بمعنى أن الشخص حين يدرك قيمته الأخلاقية يُدرك، أولا و أخيرا، أنه جديرٌ بالاحترام.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

منهجية كتابة نص فلسفي

درس مفهوم الغير - الثانية باكالوريا

تحليل نص الفرضية اللاشعور سيغموند فرويد